الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

الفِطرةُ السليمة تدلُ على وجود الخالق جلّ وعلا/ و اللغة من أدلة اثبات وجود الخالق جلّ وعلا

 الفِطرةُ السليمة تدلُ على وجود الخالق جلّ وعلا/ و اللغة من أدلة اثبات وجود الخالق جلّ وعلا 
الفِطرةُ السليمة تدلُ على وجود الخالق جلّ وعلا 
عبدالله محمد الطوالة 

بسم الله الرحمن الرحيم  
الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فالإنسانُ بطبعه يميلُ للتثبُّت من صحة أيّ أمرٍ لا يتيقنُ منه، لأنَّ سكينةَ النفسِ، وطمأنينةَ القلبِ، وزوالَ الشك لا تحصلُ إلا باليقين، ولا يقينَ من غير تثبُّت، ولا تثبُّت من غير دليلٍ قاطع.. ولذا فمن الطبيعي ألا يقبلَ إنسانٌ دعوىً إلا ببينةٍ وبرهان، ولا يُسلِّمَ لحكمٍ إلا بدليلٍ وإثبات..
وتعريف الدليلِ هو الطريقُ الموصلُ إلى إثباتٍ أمرٍ ما أو نفيهِ بطريقةٍ مُعتبرةٍ.. ومن البديهي أنه كلَّما عظمُ الأمرُ اشتدَّت المطالبةُ بالدليلِ..
ولا شكّ أنَّ أعظمَ القضايا هي قضيةُ وجودِ الخالقِ سبحانه، ومصداقيةُ رسولهِ ﷺ، فهي القضيةُ التي ينبني عليها مصيرُ الانسانِ ومستقبلهُ الأخروي: فإمّا سعادةٌ أبدية، أو شقاءٌ سرمدي.. ومن فضل الله ورحمته أنَّ الأدلة التي تثبتُ وجودَ الخالقِ كثيرةٌ ومتنوعة، كالدليل العقلي، والدليل العلمي، ودليلُ الفطرة، والدليلُ الأخلاقي، والتاريخي، والجمالي، واللغوي، وغيرها من أنواع الأدلة.. وفي هذا المقال سنتحدثُ عن نوعٍ واحدٍ فقط منها، وهو دليلُ الفطرة السليمة.. أمّا بقيةُ الأنواع الأخرى فقد تحدثتُ عن كل نوعٍ منها في مقالٍ مستقل، وتم نشرهُ في هذا الموقع المبارك بحمد الله..
أيها القارئ الكريم: الاعتقادُ بوجود الله تعالى هو أمرٌ فطريّ مغروسٌ في أعماق النفسِ البشرية، مركوزٌ في جبلتها، لا يحتاج إلى تعليمٍ أو تلقينٍ أو برهانٍ فلسفي معقد.. فالإنسانُ يولدُ وفي داخله توقٌ طبيعيٌّ لمعرفة خالقه، وشوقٌ فطريٌّ إلى من أوجده.. وإذا تُرك على سجيته دون مؤثرات خارجية تشوش فطرته، فإنه يتوجه إلى الله توجهاً تلقائياً، ويؤمن به إيماناً بدهيّاً..
وهذه الحقيقة يُجسِدُها قولُ الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]، ويؤكدها قول النبي ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ".. فكل إنسانٍ يولدُ وفي داخله هذا الإحساس الطبيعي بوجود الخالق، ثم تأتي المؤثرات الخارجية كالتربية والبيئةِ والثقافةِ ومواقفِ الحياةِ فتؤثرُ على هذه الفطرة سلباً أو إيجاباً.. في الحديث القدسي الصحيح: «إني خلقتُ عبادي حُنفاءَ وأنهم أتتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم عن دينِهم»، أي أنَّ الأصلَ فيهم الاستقامةُ على التوحيد..
ولذلك قرر العلماء أنَّ دِلالةَ الفطرةِ على وجود اللهِ أوضحُ من كل دليلٍ؛ إذ أنَّ كلَّ إنسانٍ يجدُ في نفسه شعورًا بافتقاره إلى خالق، وإحساسًا داخليًا بأنَّ له ربًا يرزقه، ويُدبّرُ أمره، ويلجأُ إليه عند الشدائد.. وهذا شعورٌ كونيٌّ عام، لا يكادُ يخلو منهُ بشرٌ، قال الإمام ابن تيمية: «الاعتراف بالخالق أمرٌ فطريٌّ في النفوس، كالعلم بأنَّ الواحدَ نصفُ الاثنين».. ولهذا لم يأتي في القرآن دليلٌ مباشرٌ على وجود الله، لأنه من أوضح البديهيات.. قال الإمامُ الغزالي: "ليسَ إيمانُ العجائزِ عيبًا، بل هو إيمانٌ يدلُ على صفاء الفطرة، لا تكلُّفَ فيه ولا تزييف"، وقال المفكرُ الفرنسي باسكال: "في قلب كلِّ إنسانٍ فراغٌ لا يملؤهُ إلا الله"..
فدليلُ الفطرةِ، من أقوى الأدلةِ على وجود اللهِ تعالى، وقد لخّص الأعرابي هذا المعنى بقوله المشهور: «البعرةُ تدلُ على البعير، والأثرُ يدلُ على المسير، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ، وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ، ألا تدلُ على الصانع الخبير؟».. وإذا أردت أن ترى صدقَ هذا الدليلِ في أوضح صورةٍ، فانظر إلى حال الإنسان في لحظات الضعفِ والاضطرار؛ حين تُغلقُ في وجهه الأبواب، وتنقطعُ عنه الأسباب، وتحيطُ به المصائبُ والصعاب، أو عندما يجد الإنسانُ نفسهُ منقطعاً في فلاةٍ لوحده، أو حين يركبُ البحرَ فتعلوه الأمواج.. في تلك اللحظات العصيبة، يضجُّ القلبُ بنداءٍ لا إراديٍ من الأعماق: "يا الله!".. هذا النداءُ هو برهانٌ قاطعٌ على أنّ الشعورَ بوجود اللهِ مغروسٌ في الفطرة، مطبوعٌ في النفس، لا يحتاجُ إلى استدلالٍ ولا إلى برهانٍ، وإنما يحتاجُ إلى إزالة الرواسب، وإزاحةِ الغِشاوةِ، فهو في الحقيقة رجوعٌ إلى الأصل، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67]، وقال سبحانه: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]..
فهذه الفطرةُ الكامنة، وإن ضعفت بالغفلة أو الشهوات وتراكمَ عليها الرانُ، فإنها تبقى حيةً كالجمر تحت الرماد، تُستثارُ عند الشدائد، تُشعِلها لحظةُ خشوعٍ، أو تجردٌ صادق، أو موقفٌ مؤثر.. وكم من إنسانٍ لم تؤثر فيه الحُجج العقلية المتنوعة، لكنه كيانه اهتز لصوت أذان، أو رقَّ قلبه لسماع آيةً تتلى بصوت خاشع، أو تأثر لرؤيا صالحة رآها، فعاد إلى رشده.. في الحديث الصحيح: "ليس آدَمِيٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ إصبعينِ من أصابِعِ اللهِ، فمن شاء أقامَ، ومن شاء أزاغَ"..
وهذا التوجه الفطري ليس مجردَ ميلٍ عاطفي، بل هو تعبيرٌ عن افتقارٍ وجودي عميق.. فالإنسانُ في ذاته مخلوقٌ محتاجٌ إلى من يدبرهُ، ويرزقهُ، ويحفظهُ، ويطمئنهُ، ويمنحُ لحياته معنىً وغايةً.. وهذا الاحتياجُ الجوهري لا يمكنُ أن يسدهُ إلا الإيمانُ بالله والتوجه إليه، فاللهُ هو الغايةُ والمصدر، وهو المبتدأُ والمنتهى، وهو الأولُ والآخر، فمن دونه لا تكتملُ للإنسان إنسانيته، ولا يزكو عقله، ولا يستقرُ قلبه، ولا يستقيمُ أمره.. كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. ومن أعرض عن هذا المصدر، عاش حياةً ضنكاً، وفراغاً روحياً قاتلاً، كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]..
والملحدُ مهما بلغَ في الإلحاد، وأوغلَ في الغفلة، فسيبقى في أعماقه شعورٌ بالفراغ، وحنينٌ إلى المطلق، وهو ما يسميهِ البعضُ "بالسلام الداخلي"، والذي لن يجدهُ إلا في رحاب الإيمان.. وهذا الافتقارُ هو الشاهدُ الصادقُ على زيف التظاهرِ بالإلحاد، وهو ما أشارَ إليه المفكرُ الفرنسي باسكال بقوله: "في قلب كل إنسانٍ فراغٌ لا يملؤهُ إلا الله"..
وهكذا يتضحُ أنّ الإيمانَ بالله ليس فكرةً مكتسبة، ولا قضيةً جدليةً، ولا نظريةً فلسفيةً، وإنما هو أصلٌ مغروسٌ في النفس، يشتدُّ نورهُ حين تنزاحُ الغشاوةُ عن القلب، ويصدقُ الإنسانُ مع نفسه، ويتجردُ للحقّ..
والفطرةُ السليمة، مع الافتقار الوجودي، يجعلان الإيمانَ أمراً بدهيّاً راسخاً.. ومع أنّ العقلَ قد يزل، والقلبَ قد يضل، إلا أنّ الفطرةَ الصافيةَ تظلُ البوصلةَ التي تعيدُ المرءَ إلى حقيقة خلقته، كما في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7-8]..
فطوبى لمن أقبلَ على ربه بفطرته النقية، وعزاؤنا فيمن أعرضَ أنّ هذا الإيمان يظلُ كامناً في أعماقه، ينتظرُ لحظةَ صفاءٍ تسنح، أو صدمةً توقظهُ من غفلته، فيعود إلى ربه تائباً منيباً، مصداقاً لقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 119]..
نسألُ اللهَ أن يشرح صدرونا جميعاً للحق، وأن يهدينا سواء السبيل..
وأخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين..

=================================




اللغة من أدلة اثبات وجود الخالق جلّ وعلا




عبدالله محمد الطوالة



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فالإنسانُ بطبعه يميلُ للتثبُّت من صحة أيّ أمرٍ لا يتيقنُ منه، لأنَّ سكينةَ النفسِ، وطمأنينةَ القلبِ، وزوالَ الشك لا تحصلُ إلا باليقين، ولا يقينَ من غير تثبُّت، ولا تثبُّت من غير دليلٍ قاطع.. ولذا فمن الطبيعي ألا يقبلَ إنسانٌ دعوىً إلا ببينةٍ وبرهان، ولا يُسلِّمَ لحكمٍ إلا بدليلٍ وإثبات..
وتعريفُ الدليلِ هو الطريقُ الموصلُ إلى إثباتٍ أمرٍ ما أو نفيهِ بطريقةٍ مُعتبرةٍ.. ومن البديهي أنه كلَّما عظمُ الأمرُ اشتدَّت المطالبةُ بالدليلِ..
ولا شكّ أنَّ أعظمَ القضايا هي قضيةُ وجودِ الخالقِ سبحانه، ومصداقيةُ رسولهِ ﷺ، فهي القضيةُ التي ينبني عليها مصيرُ الانسانِ ومستقبلهُ الأخروي: فإمّا سعادةٌ أبدية، أو شقاءٌ سرمدي.. ومن فضل اللهِ ورحمتهِ أنَّ الأدلةَ التي تثبتُ وجودَ الخالقِ كثيرةٌ ومتنوعة، كالدليل العقلي، والدليل العلمي، ودليلُ الفطرة، والدليلُ الأخلاقي، والتاريخي، والجمالي، واللغوي، وغيرها من أنواع الأدلة.. وفي هذا المقالِ سأتحدثُ عن نوعٍ واحدٍ فقط منها، وهو الدليلُ اللغوي.. أمّا بقيةُ الأنواعِ الأخرى فقد تحدثتُ عن كل نوعٍ منها في مقالٍ مستقل، وتم نشرهُ في هذا الموقعِ المباركِ بحمد الله..
أيها القارئ الكريم: منذُ أن وُجدَ الإنسانُ على وجه الأرضِ وجدت معه لغتهُ التي يتكلّمُ بها.. ولا تكادُ توجدُ أمّةٌ في التاريخ إلا وفي لغتها اسمٌ تعبّرُ به عن الخالق العظيمِ جلّ وعلا، سواءً أسمتهُ: إيل، أو إلوه، أو ألُهيم، أو ثيوس، أو ديوس، أو خدا، أو بوغ، أو الله.. فكلّها رغم اختلافِ البيئاتِ واللغاتِ معانٍ متقاربةٍ تعبّرُ عن الإلوهيةِ والعلوِ والجلال.. وتطلق على الإله العظيم، الذي يُعتقدُ أنه خالقُ كلِّ شيءٍ، المدبّرُ، المستحقُّ للعبادة، المنزّهُ عن النقصِ، المجيبُ للنداء، الملاذُ عند الخوفِ، المستغاثُ عندَ الضرِّ.. بل إنّ كثيراً من تلك الأسماء بينها تشابهًا صوتيًا، يدل على أن لها أصلاً مُشتركاً.. وهذا معناهُ أنَّ فكرةَ الإلهِ لم تنشأَ من خيال الإنسان، بل كانت استجابةً لنداءٍ داخليٍّ فيه، اسمهُ الفطرة، عبّرَ عنهُ الإنسانُ بلغته حين تكلّمَ، واستشعرهُ في قلبه قبلَ أن يعرفَ الأحرف..
وهنا يتجلّى الدليلُ اللغوي بوصفه أكثرَ من ملاحظةٍ صوتية، بل هو دليلٌ أنثروبولوجيٌّ فطريٌّ تاريخيٌّ، يتلاقى فيه اللسانُ مع الوجدانِ مع الزمانِ، ليُثبت أنَّ الإيمانَ بالله جزءٌ من اللغات ومن الأبجدياتِ العقلِية..
ومن المقرّر في علم اللغةِ أنَّ المعنى يسبقُ اللفظَ، فما من اسمٍ يوضعُ إلا ويُسبقُ بتصوّرٍ ذهنيٍّ لمعناه.. ولا يَبتَكِرُ الناسُ كلمةً إلا ولها مَدلولٌ يرمزُ لشيءٍ موجودٍ في أذهانهم.. ولذلك لم يكن هناك كلماتٍ مثل: "الهاتف"، و"الكمبيوتر"، و"القمرِ الصناعي" قبل اختراعها، لأنها لم تكن معروفةَ المعنى من قبل.. فإذا كان هذا هو القانونُ اللغوي العام، فكيفَ نُفسّرُ وجودَ اسمِ "الله" أو مرادفاتهٍ في أقدم نقوشِ البشرِ، وفي جميع اللغات، البدائيةِ منها والحديثة.. وكيفَ استقرَ هذا الاسمُ في الوعي البشري، رغمَ تنوّعِ البيئاتِ، وتباعدِ الشعوبِ، واختلافِ الدياناتِ والثقافات؟.. وكيفَ اتفقت عقولُ البشرِ على أنّ هذا الاسمَ يُشيرُ إلى ذاتٍ واحدةٍ: (الإلهُ الخالقُ العظيم)؟..
وما من تفسيرٍ منطقيٍّ لبقائه محفوظًا في أعماق اللغةِ، إلا لأنَّه فطرةٌ مركوزةٌ في النفس البشريةِ منذُ أن خلقها الله.. مُستقرٌّ في الضمير الجمعي، فقام كلٌّ منهم بأطلاقه حسب لسانِ قومه..
ولذلك فإنّ اسمَ الجلالةِ (الله) ليسَ مجردَ اصطلاحٍ بشري، ولا اختراعٍ لغوي، بل هو شاهدٌ لُغويٌّ داخليٌّ على وجود اللهِ في الوجدان الإنساني.. بل إنَّ لهذا الاسمِ حين يُنطَقُ وقعًا لا يُشبهُ غيرهُ من الأسماء: فمهابتهُ، وجلالتهُ، وفرادتهُ، وجرْسهُ ورنّتهُ في القلب، وقداستهُ في الضمير، تجعلهُ مُتميزاً برسمه وبمبناه، مُنفردًا في بنيته الصوتيةِ وفي معناهُ، فلا يُثنّى، ولا يُجمعُ، ولا يُشتقُ، بل هو عَلَمٌ على الذات الإلهيةِ، دالٌ على الكمال من كلّ وجهٍ.. {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65].. وصدق الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَد • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1]..
فاللهُ واحدٌ في ذاته، واحدٌ في اسماءه وصفاته، واحدٌ في فطرة الإنسانِ وكينونته، وسيبقى منقوشاً في ضميره ووجدانه حتى وإن ضلّ عن طريقه وابتعد عن مساره.. وإنّ وجودَ هذا الاسمِ أو ما يرادفهُ في كلّ اللغات والثقافات، لهو دليلٌ على أنَّ الاعتقادَ بالله لم يكن بدعةً دينيةً، ولا طارئًا ثقافيًا، بل هو أصلٌ إنسانيٌّ مُشتركٌ.. والعلماءُ يسمّونَ هذا "ثباتًا ثقافيًّا"، وذلك حين يظهرُ لهم معنىً أو اسماً مُشتركاً في حضاراتٍ مُتباعدةٍ ليس بينها صلةٌ، ويرونَ فيه أثرًا لتجربةٍ عميقةٍ، أو فطرةٍ إنسانيةٍ موحّدةٍ، وهذا ما ينطبقُ تمامًا على اسم الله الأعظم..
فحتى لو اختلفت المذاهبُ، وتنوعت الفلسفاتُ، وتعددت الطقوسُ، فإن اسمَ الإلهِ يظلُّ حاضرًا، شاهداً على وجود شيءٍ أعمقَ من الثقافة: مغروزٌ في الفطر.. فهل بعد هذا يبقى شكٌّ في أنّ للهِ أثرًا في كلِّ فطرةٍ، وله اسمٌ في كلِّ لغةٍ، وله مكانةٌ في كلِّ قلبٍ، وأنه حقيقةٌ نطقت بها كلُّ اللغاتِ، وأنهُ كان ولا يزالُ باقٍ في أعماق الإنسانِ ما بقيت الحياة.. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين} [الأعراف:172]..
نسألُ اللهَ أن يشرح صدرونا جميعاً للحق، وأن يهدينا سواء السبيل..
وأخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

1236.

 

الرابط 

 ***

 

**