الفَصْلُ الثَّاني: التَّعْريفُ بأبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ
هو أبو الحَسَنِ، علِيُّ بنُ إسْماعيلَ بنِ إسْحاقَ بنِ سالِمِ بنِ إسْماعيلَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ موسى بنِ بِلالِ بنِ أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى الأشْعَريِّ، مِن ذُرِّيَّةِ الصَّحابيِّ الجَليلِ أبي موسى الأشْعَريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، والأشْعَريُّ نِسْبةٌ إلى قَبيلةٍ يَمنيَّةٍ تَنْتَسِبُ إلى أَشعَرَ، مِن وَلَدِ كَهْلانَ بنِ سَبَأِ بنِ يَشجُبَ بنِ يَعرُبَ بنِ قَحْطانَ .
وُلِدَ أبو الحَسَنِ الأشْعَريِّ في البَصْرةِ سَنَةَ 260هـ، وسَمِعَ الحَديثَ مِن الحافِظِ زَكَريَّا بنِ يَحْيى السَّاجيِّ البَصْريِّ (ت 307 هـ)، وأخَذَ عنه مَذهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولازَمَ أبا علِيٍّ الجُبَّائيَّ البَصْريَّ (ت 303 هـ)، شَيْخَ المُعْتَزِلةِ، وأخَذَ عنه مَذهَبَ الاعْتِزالِ، وكانَ الأشْعَريُّ يَنوبُ عنه في بعضِ مَجالِسِه، ولمَّا بَرَعَ في مَعْرِفةِ الاعْتِزالِ تَبَرَّأَ مِنه عَلَنًا، وأَكثَرَ مِن التَّأليفِ في الرَّدِّ على المُعْتَزِلةِ وغَيْرِهم مِن أهْلِ البِدَعِ .
قالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: (أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ لمَّا رَجَعَ عن مَذهَبِ المُعْتَزِلةِ سَلَكَ طَريقةَ ابنِ كُلَّابٍ، ومالَ إلى أهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ، وانْتَسَبَ إلى الإمامِ أَحْمَدَ، كما قد ذَكَرَ ذلك في كُتُبِه كلِّها، كـالإبانةِ، والمُوجَزِ، والمَقالاتِ، وغَيْرِها، وكانَ مُخْتلِطًا بأهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ كاخْتِلاطِ المُتكلِّمِ بهم...، وكانَ القُدَماءُ مِن أصْحابِ أَحْمَدَ؛ كـأبي بَكْرٍ عَبْدِ العَزيزِ، وأبي الحَسَنِ التَّميميِّ، وأمْثالِهما، يَذكُرونَه في كُتُبِهم على طَريقِ ذِكْرِ المُوافِقِ للسُّنَّةِ في الجُمْلةِ، ويَذكُرونَ ما ذَكَرَه مِن تَناقُضِ المُعْتَزِلةِ...، والأشْعَريُّ وأئِمَّةُ أصْحابِه؛ كـأبي الحَسَنِ الطَّبَرِيِّ، وأبي عَبْدِ اللهِ بنِ مُجاهِدٍ، والباهِلِيِّ، والقاضي أبي بَكْرٍ، مُتَّفِقونَ على إثْباتِ الصِّفاتِ الخَبَريَّةِ الَّتي ذُكِرَتْ في القُرْآنِ؛ كالاسْتِواءِ، والوَجْهِ، واليَدِ، وإبْطالِ تَأويلِها، وليس له في ذلك قَوْلانِ أصْلًا، ولم يَذكُرْ أحَدٌ عن الأشْعَريِّ في ذلك قَوْلَينِ أصْلًا، بلْ جَميعُ مَن يَحْكي المَقالاتِ مِن أتْباعِه وغَيْرِهم يَذكُرُ أنَّ ذلك قَوْلُه، ولكنْ لأتْباعِه في ذلك قَوْلانِ) .
وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (كانت خِبرتُه بالكلامِ خِبرةً مُفصَّلةً، وخِبرتُه بالسُّنَّةِ خِبرةً مُجمَلةً؛ فلذلك وافَق المُعتَزِلةَ في بعضِ أصولِهم التي التزموا لأجْلِها خِلافَ السُّنَّةِ، واعتقد أنَّه يمكِنُه الجمعُ بَينَ تلك الأصولِ وبين الانتِصارِ للسُّنَّةِ، كما فعل في مسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ والصِّفاتِ الخَبَريَّةِ، وغيرِ ذلك، والمُخالِفونَ له من أهلِ السُّنَّةِ والحديثِ ومن المُعتَزِلةِ والفلاسفةِ يقولونَ: إنَّه متناقِضٌ، وإنَّ ما وافق فيه المُعتَزِلةَ يُناقِضُ ما وافَق فيه أهلَ السُّنَّةِ، بل جُمهورُ المُخالِفينَ للأشعريِّ من المُثبتةِ والنُّفاةِ يقولونَ: إنَّ ما قاله في مسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ معلومُ الفسادِ بضرورةِ العَقلِ؛ ولهذا يقولُ أتباعُه: إنَّه لم يوافِقْنا أحَدٌ من الطَّوائِفِ على قَولِنا في مسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ، فلمَّا كان في كلامِه شَوبٌ من هذا وشَوبٌ من هذا، صار يقولُ من يقولُ: إنَّ فيه نوعًا من التجَهُّمِ، وأمَّا من قال: إنَّ قَولَه قَولُ جَهمٍ، فقد قال الباطِلَ، ومن قال: إنَّه ليس فيه شيءٌ من قولِ جَهمٍ، فقد قال الباطِلَ، واللهُ يحِبُّ الكلامَ بعِلمٍ وعَدلٍ، وإعطاءَ كُلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وتنزيلَ النَّاسِ منازِلَهم) .
وقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في المَراحِلِ الَّتي مَرَّ بِها أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ كما سيَأتي بَيانُه، ومِن أَحسَنِ تَصانيفِه المُوافِقةِ لأهْلِ السُّنَّةِ في الجُمْلةِ: كِتابُ (الإبانة عن أصولِ الدِّيانة)، وكِتابُ (مَقالات الإسْلاميِّينَ واخْتِلاف المُصَلِّينَ)، و(رِسالة إلى أهْلِ الثَّغْرِ).
قالَ الذَّهَبيُّ: (لأبي الحَسَنِ ذَكاءٌ مُفرِطٌ، وتَبَحُّرٌ في العِلمِ، وله أشْياءُ حَسَنةٌ، وتَصانيفُ جَمَّةٌ تَقْضي له بسَعةِ العِلمِ...، قالَ أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ في كِتابِ (العُمَد في الرُّؤْيةِ) له: صَنَّفْتُ (الفُصول في الرَّدِّ على المُلْحِدينَ) وهو اثْنا عَشَرَ كِتابًا، وكِتابَ (المُوجَزِ)، وكِتابَ (خَلْق الأعْمالِ)، وكِتابَ (الصِّفات)، وهو كَبيرٌ، تَكَلَّمْنا فيه على أصْنافِ المُعْتَزِلةِ والجَهْميَّةِ، وكِتابَ (الرُّؤْية بالأبْصارِ)، وكِتابَ (الخاصِّ والعامِّ)، وكِتابَ (الرَّدِّ على المُجَسِّمةِ)، وكِتابَ (إيْضاحِ البُرْهانِ)، وكِتابَ (اللُّمَع في الرَّدِّ على أهْلِ البِدَع)، وكِتابَ (الشَّرْح والتَّفْصيل)، وكِتابَ (النَّقْض على الجُبَّائيِّ)، وكِتابَ (النَّقْض على البَلْخيِّ)، وكِتابَ (جُمَل مَقالاتِ المُلْحِدينَ)، وكِتابًا في الصِّفاتِ هو أَكبَرُ كُتُبِنا، نَقَضْنا فيه ما كُنَّا ألَّفْناه قَديمًا فيها على تَصْحيحِ مَذهَبِ المُعْتَزِلةِ، لم يُؤَلَّفْ لهم كِتابٌ مِثلُه، ثُمَّ أبانَ اللهُ لنا الحَقَّ فرَجَعْنا، وكِتابًا في (الرَّدِّ على ابنِ الرَّاوَنْديِّ)، وكِتابَ (القامِعِ في الرَّدِّ على الخالِديِّ)، وكِتابَ (أدَب الجَدَلِ)، وكِتابَ (جَواب الخُراسانيَّةِ)، وكِتابَ (جَواب السِّيرافِيِّينَ)، و(جَواب الجُرْجانِيِّينَ)، وكِتابَ (المَسائِل المَنْثورة البَغْداديَّة)، وكِتابَ (الفُنون في الرَّدِّ على المُلْحِدينَ)، وكِتابَ (النَّوادِر في دَقائِقِ الكَلامِ)، وكِتابَ (تَفْسير القُرْآنِ)، وسَمَّى كُتُبًا كَثيرةً سِوى ذلك) .
وقالَ الذَّهَبيُّ: (رَأيْتُ لأبي الحَسَنِ أرْبَعةَ تَواليفَ في الأُصولِ يَذكُرُ فيها قَواعِدَ مَذهَبِ السَّلَفِ في الصِّفاتِ، وقالَ فيها: تُمَرُّ كما جاءَتْ، ثُمَّ قالَ: وبذلك أَقولُ، وبه أَدينُ، ولا تُؤَوَّلُ) .
وقدْ تُوفِّيَ أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ في بَغْدادَ سَنَةَ 324هـ .
وقدِ اتَّفَقَ المُؤَرِّخونَ والباحِثونَ على أنَّه كانَ في أوَّلِ أمْرِه مُعْتزِليًّا، واسْتَمَرَّ على ذلك سِنينَ كَثيرةً، ثُمَّ رَجَعَ عن بِدْعةِ الاعْتِزالِ وعُمُرُه نَحْوُ أرْبَعينَ سَنَةً ، ورَدَّ على المُعْتَزِلةِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ عَقائِدِهم الَّتي خالَفوا فيها الحَقَّ، وكانَ أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ في هذه المَرْحلةِ على طَريقةِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ البَصْريِّ المُتَوفَّى سَنَةَ (243هـ)، الَّذي كانَ يُخالِفُ المُعْتَزِلةَ، ويُوافِقُ أهْلَ السُّنَّةِ في كَثيرٍ مِن المَسائِلِ الاعْتِقاديَّةِ. وطَريقةُ ابنِ كُلَّابٍ أَقرَبُ إلى السُّنَّةِ مِن طَريقةِ المُعْتَزِلةِ، فكانَ أبو الحَسَنِ على هذه الطَّريقةِ.
قالَ المَقْريزيُّ في تَرْجمةِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ: (صارَ مِن أئِمَّةِ المُعْتَزِلةِ، ثُمَّ رَجَعَ عن القَوْلِ بخَلْقِ القُرْآنِ وغَيْرِه مِن آراءِ المُعْتَزِلةِ، وصَعِدَ يَوْمَ الجُمُعةِ بجامِعِ البَصْرةِ كُرْسيًّا، ونادى بأَعْلى صَوْتِه: مَن عَرَفَني فقدْ عَرَفَني، ومَن لم يَعرِفْني فأنا أُعَرِّفُه بنَفْسي، أنا فُلانُ بنُ فُلانٍ، كُنْتُ أَقولُ بخَلْقِ القُرْآنِ، وأنَّ اللهَ لا يُرى بالأبْصارِ، وأنَّ أفْعالَ الشَّرِّ أنا أَفعَلُها، وأنا تائِبٌ مُقلِعٌ، مُعْتقِدٌ الرَّدَّ على المُعْتَزِلةِ، مُبَيِّنٌ لفَضائِحِهم ومَعايبِهم. وأخَذَ مِن حينِئذٍ في الرَّدِّ عليهم، وسَلَكَ بعضَ طَريقِ أبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ القَطَّانِ، وبَنى على قَواعِدِهـ) .
وذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ عَبْدَ اللهِ بنَ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ وقالَ: (وعلى طَريقتِه مَشى الأشْعَريُّ في كِتابِ الإبانةِ) . وفي هذا الكَلامِ نَظَرٌ، فالمُطَّلِعُ في كِتابِ الإبانةِ يَجِدُ أنَّه أَقرَبُ لمَنهَجِ السَّلَفِ مِن مَنهَجِ ابنِ كُلَّابٍ -كما سيَأتي- ثُمَّ الأشْعَريُّ نفْسُه صَرَّحَ أنَّه على مَنهَجِ ابنِ حَنْبَلٍ، فكيف نَترُكُ كَلامَه ونَقولُ: ألَّفَ كِتابَ الإبانةِ على طَريقةِ ابنِ كُلَّابٍ، وهو آخِرُ كُتُبِه؟!
وحُجَّةُ القائِلينَ بِهذا أنَّه لا يوجَدُ نَصٌّ واضِحٌ لأبي الحَسَنِ يُبيِّنُ فيه بَراءتَه مِن طَريقةِ ابنِ كُلَّابٍ كما تَبَرَّأَ مِن طَريقةِ المُعْتَزِلةِ، وهذه حُجَّةٌ داحِضةٌ، فلا يَلزَمُه أن يَذكُرَ ابنَ كُلَّابٍ بقَدْحٍ حتَّى يُنسَبَ لمَذهَبِ السَّلَفِ، ويَكْفيه انْتِسابُه للإمامِ أَحْمَدَ، وأنَّه يَقولُ بقَوْلِه؛ فقدْ قالَ في كِتابِه الإبانةِ : (فإن قالَ لنا قائِلٌ: قد أنْكَرْتُم قَوْلَ المُعْتَزِلةِ والقَدَريَّةِ والجَهْميَّةِ والحَروريَّةِ والرَّافِضةِ والمُرْجِئةِ، فعَرِّفونا قَوْلَكم الَّذي به تقَوْلونَ، وديانتَكم الَّتي بها تَدينونَ. قيلَ له: قَوْلُنا الَّذي نَقولُ به وديانتُنا الَّتي نَدينُ بها، التَّمَسُّكُ بكِتابِ اللهِ رَبِّنا عَزَّ وجَلَّ، وبسُنَّةِ نَبيِّنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما رُوِيَ عن السَّادةِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وأئِمَّةِ الحَديثِ، ونحن بذلك مُعْتَصِمونَ، وبما كانَ يَقولُ به أبو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ -نَضَّرَ اللهُ وَجْهَه ورَفَعَ دَرَجتَه وأَجزَلَ مَثوبتَه -قائِلونَ، ولِما خالَفَ قَوْلَه مُخالِفونَ؛ لأنَّه الإمامُ الفاضِلُ، والرَّئيسُ الكامِلُ، الَّذي أبانَ اللهُ به الحَقَّ، ودَفَعَ به الضَّلالَ، وأَوضَحَ به المِنْهاجَ، وقَمَعَ به بِدَعَ المُبْتَدِعينَ، وزَيْعَ الزَّائِغينَ، وشَكَّ الشَّاكِّينَ، فرَحْمةُ اللهِ عليه مِن إمامٍ مُقدَّمٍ، وجَليلٍ مُعظَّمٍ، وكَبيرٍ مُفهِمٍ) .
وهذا النَّصُّ ظاهِرٌ جِدًّا في رُجوعِه إلى مَذهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وإلى ما كانَ عليه الإمامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ.
ومَن يُطالِعْ كِتابَ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ المُسمَّى (الإبانة عن أُصولِ الدِّيانة) بعِلمٍ وإنْصافٍ يَتَبيَّنْ له أنَّه سارَ فيه على مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، معَ وُجودِ عِباراتٍ مُجْمَلةٍ وأخْطاءٍ لا تُخرِجُه عن مَذهَبِ السَّلَفِ. وقدْ صَرَّحَ عَدَدٌ مِن العُلَماءِ برُجوعِه هذا، وانْتِسابِه للإمامِ أَحْمَدَ ومَذهَبِ السَّلَفِ .
قالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: (هذا الكِتابُ هو مِن أَشهَرِ تَآليفِ الأشْعَريِّ وآخِرِها؛ ولِهذا اعْتَمَدَه الحافِظُ أبو بَكْرٍ السَّمْعانيُّ في كِتابِ الاعْتِقادِ له، وحَكى عنه في مَواضِعَ مِنه، ولم يَذكُرْ مِن تَآليفِه سِواه، وكذلك الحافِظُ أبو القاسِمِ بنُ عَساكِرَ في كِتابِه الَّذي صَنَّفَه وسَمَّاه: «تَبْيينَ كَذِبِ المُفْتري فيما يُنسَبُ إلى الشَّيْخِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ»... صَنَّفَه ببَغْدادَ في آخِرِ عُمُرِه، لمَّا زادَ اسْتِبْصارُه في السُّنَّةِ، ولَعلَّه لم يُفصِحْ في بعضِ الكُتُبِ القَديمةِ بما أَفصَحَ به فيه وفي أمْثالِه، وإن كانَ لم يَنْفِ فيها ما ذَكَرَه هنا في الكُتُبِ المُتَأخِّرةِ، ففَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ القَوْلِ وبَيْنَ القَوْلِ وبَيْنَ القَوْلِ بالعَدَمِ) .
وقالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ أيضًا: (الأشْعَريَّةُ الَّذين يَنْفونَ الصِّفاتِ الخَبَريَّةَ، وأمَّا مَن قالَ مِنهم بكِتابِ الإبانةِ الَّذي صَنَّفَه الأشْعَريُّ في آخِرِ عُمُرِه، ولم يُظهِرْ مَقالةً تُناقِضُ ذلك؛ فهذا يُعَدُّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ) .
وقالَ أيضًا: (أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ لمَّا رَجَعَ عن مَذهَبِ المُعْتَزِلةِ سَلَكَ طَريقةَ ابنِ كُلَّابٍ، ومالَ إلى أهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ، وانْتَسَبَ إلى الإمامِ أَحْمَدَ، كما قد ذَكَرَ ذلك في كُتُبِه كلِّها؛ كـالإبانةِ، والمُوجَزِ، والمَقالاتِ، وغَيْرِها، وكانَ مُخْتلِطًا بأهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ كاخْتِلاطِ المُتَكلِّمِ بهم، بمَنزِلةِ ابنِ عَقيلٍ عنْدَ مُتَأخِّريهم، لكنَّ الأشْعَريَّ وأئِمَّةَ أصْحابِه أَتبَعُ لأُصولِ الإمامِ أَحْمَدَ وأمْثالِه مِن أئِمَّةِ السُّنَّةِ مِن مِثلِ ابنِ عَقيلٍ في كَثيرٍ مِن أحْوالِه، ومِمَّن اتَّبَعَ ابنَ عَقيلٍ كـأبي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزيِّ في كَثيرٍ مِن كُتُبِه، وكانَ القُدَماءُ مِن أصْحابِ أَحْمَدَ؛ كـأبي بَكْرٍ عَبْدِ العَزيزِ، وأبي الحَسَنِ التَّميميِّ، وأمْثالِهما، يَذكُرونَه في كُتُبِهم على طَريقِ ذِكْرِ المُوافِقِ للسُّنَّةِ في الجُمْلةِ) .
وقالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ أيضًا: (كانَ الأشْعَريُّ أَقرَبَ إلى مَذهَبِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وأهْلِ السُّنَّةِ مِن كَثيرٍ مِن المُتَأخِّرينَ المُنْتسِبينَ إلى أَحْمَدَ الَّذين مالوا إلى بعضِ كَلامِ المُعْتَزِلةِ؛ كابنِ عَقيلٍ، وصَدَقةَ بنِ الحُسَينِ، وابنِ الجَوْزيِّ، وأمْثالِهم) .
ونَقَلَ ابنُ القَيِّمِ كَلامَ ابنِ تَيْمِيَّةَ في انْتِسابِه لمَذهَبِ الإمامِ أَحْمَدَ مُؤَيِّدًا له .
وقالَ الذَّهَبيُّ: (كانَ مُعْتزِليًّا ثُمَّ تابَ، ووافَقَ أصْحابَ الحَديثِ في أشْياءَ يُخالِفونَ فيها المُعْتَزِلةَ، ثُمَّ وافَقَ أصْحابَ الحَديثِ في أَكثَرِ ما يَقولونَه...، فله ثَلاثةُ أحْوالٍ: حالٌ كانَ مُعْتزِليًّا، وحالٌ كانَ سُنِّيًّا في بعضٍ دونَ البعضِ، وحالٌ كانَ في غالِبِ الأُصولِ سُنِّيًّا، وهو الَّذي عَلِمْناه مِن حالِه، فرَحِمَه اللهُ وغَفَرَ له ولسائِرِ المُسلِمينَ) .
وقالَ ابنُ كَثيرٍ: (ذَكَروا للشَّيْخِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ رَحِمَه اللهُ ثَلاثةَ أحْوالٍ، أوَّلُها: حالُ الاعْتِزالِ الَّتي رَجَعَ عنها لا مَحالةَ، والحالُ الثَّاني: إثْباتُ الصِّفاتِ العَقْلِيَّةِ السَّبْعةِ، وهي: الحَياةُ، والعِلمُ، والقُدْرةُ، والإرادةُ، والسَّمْعُ، والبَصَرُ، والكَلامُ، وتَأويلُ الخَبَريَّةِ؛ كالوَجْهِ، واليَدَينِ، والقَدَمِ، والسَّاقِ، ونَحْوِ ذلك، والحالُ الثَّالِثةُ: إثْباتُ ذلك كلِّه مِن غَيْرِ تَكْييفٍ ولا تَشْبيهٍ، جَرْيًا على مِنْوالِ السَّلَفِ، وهي طَريقتُه في (الإبانة) الَّتي صَنَّفَها آخِرًا، وشَرَحَه القاضي الباقِلَّانيُّ، ونَقَلَها أبو القاسِمِ ابنُ عَساكِرَ، وهي الَّتي مالَ إليها الباقِلَّانيُّ، وإمامُ الحَرَمينِ، وغَيْرُهما مِن أئِمَّةِ الأصْحابِ المُتَقدِّمينَ في أواخِرِ أقْوالِهم، واللهُ أَعلَمُ) .
وقالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّاب: (كِتابُ الإبانةِ مِن أَشهَرِ تَصانيفِ أبي الحَسَنِ...، صَرَّحَ بأنَّ عَقيدتَه في آياتِ الصِّفاتِ وأحاديثِها اعْتِقادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، مِن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وأئِمَّةِ الدَّينِ، ولم يَحْكِ تَأويلَ الاسْتِواءِ بالاسْتيلاءِ، واليَدِ بمَعْنى النِّعْمةِ، والعَيْنِ بمَعْنى العِلمِ، إلَّا عن المُعْتَزِلةِ والجَهْميَّةِ، وصَرَّحَ أنَّه خِلافُ قَوْلِه؛ لأنَّه خِلافُ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ. ثُمَّ تَجِدُ المُنْتَسِبينَ إلى عَقيدةِ الأشْعَريِّ قد صَرَّحوا في عَقائِدِهم ومُصَنَّفاتِهم مِن التَّفاسيرِ وشُروحِ الحَديثِ بالتَّأويلِ الَّذي أَنكَرَه إمامُهم، وبَيَّنَ أنَّه قَوْلُ المُعْتَزِلةِ والجَهْميَّةِ، ويَنسُبونَ هذا الاعْتِقادَ إلى الأشْعَريِّ، وهو قد أَنكَرَه ورَدَّه وأَخبَرَ أنَّه على غَيْرِ عَقيدةِ السَّلَفِ مِن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ والأئِمَّةِ بَعْدَهم، وأنَّه على عَقيدةِ الإمامِ أَحْمَدَ!) .
وقالَ ابنُ بازٍ: (ليس عُلَماءُ الأشاعِرةِ مِن أتْباعِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ؛ لأنَّه رَجَعَ عن تَأويلِ الصِّفاتِ، وقالَ بمَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في إثْباتِ الأسْماءِ والصِّفاتِ وإمْرارِها كما جاءَتْ مِن غَيْرِ تَحْريفٍ ولا تَعْطيلٍ ولا تَكْييفٍ ولا تَمْثيلٍ، كما أَوضَحَ ذلك في كِتابَيْه الإبانةِ والمَقالاتِ، فعُلِمَ ممَّا ذَكَرْنا أنَّ مَنْ أوَّلَ الصِّفاتِ مِن المُنْتَسِبينَ للأشْعَريِّ فليس على مَذهَبِه الجَديدِ، بلْ هو على مَذهَبِه القَديمِ، ومَعْلومٌ أنَّ مَذهَبَ العالِمِ هو ما ماتَ عليه مُعْتقِدًا له لا ما قالَه سابِقًا ثُمَّ رَجَعَ عنه؛ فيَجِبُ التَّنَبُّهُ لذلك) .
وقالَ ابنُ عُثَيْمينَ: (إنَّ إحدى الطَّائِفتَينِ فقط هُمْ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ؛ فإمَّا أن تكونَ طائِفةَ السَّلَفِ أهْلِ التَّحْقيقِ، وإمَّا أن تكونَ طائِفةَ الخَلَفِ أهْلِ التَّأويلِ، ولا يُمكِنُ أحْدًا أن يَقولَ: إنَّ أهْلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ طائِفةُ الخَلَفِ دونَ طائِفةِ السَّلَفِ؛ لأنَّ طائِفةَ السَّلَفِ تَعْني المُهاجِرينَ والأنْصارَ، والَّذين اتَّبَعوهم بإحْسانٍ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، ومِنهم أبو الحَسَنِ الأشْعَريُّ رَحِمَه اللهُ في مَذهَبِه الَّذي اسْتَقَرَّ عليه أخيرًا في كِتابِه الإبانةِ، وبَيَّنَ أنَّه قائِلٌ بما قالَ به الإمامُ أَحْمَدُ رَحِمَه اللهُ تَعالى) .
وقالَ ابنُ عُثَيْمينَ أيضًا: (أبو الحَسَنِ كانَ له مَراحِلُ ثَلاثٌ في العَقيدةِ:
المَرْحلةُ الأُولى: مَرْحلةُ الاعْتِزالِ: اعْتَنَقَ مَذهَبَ المُعْتَزِلةِ أرْبَعينَ عامًا يُقرِّرُه ويُناظِرُ عليه، ثُمَّ رَجَعَ عنه، وصَرَّحَ بتَضْليلِ المُعْتَزِلةِ، وبالَغَ في الرَّدِّ عليهم.
المَرْحلةُ الثَّانيةُ: مَرْحلةٌ بَيْنَ الاعْتِزالِ المَحْضِ والسُّنَّةِ المَحْضةِ، سَلَكَ فيها طَريقَ أبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ «ص: 471» مِن المُجلَّدِ السَّادِسَ عَشَرَ مِن مَجْموعِ الفَتاوى لابنِ قاسِمٍ: والأشْعَريُّ وأمْثالُه بَرْزَخٌ بَيْنَ السَّلَفِ والجَهْميَّةِ، أخَذوا مِن هؤلاء كَلامًا صَحيحًا، ومِن هؤلاء أُصولًا عَقْليَّةً ظَنُّوها صَحيحةً وهي فاسِدةٌ. اهـ.
المَرْحلة الثَّالِثةُ: مَرْحلةُ اعْتِناقِ مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ مُقْتدِيًا بالإمامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَه اللهُ، كما قَرَّرَه في كِتابِه الإبانةِ عن أُصولِ الدِّيانةِ، وهو مِن آخِرِ كُتُبِه أو آخِرُها) .
وقالَ أيضًا: (الأشْعَريُّ أبو الحَسَنِ رَحِمَه اللهُ كانَ في آخِرِ عُمُرِه على مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والحَديثِ، وهو إثْباتُ ما أَثبَتَه اللهُ تَعالى لنفْسِه في كِتابِه، أو على لِسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَيْرِ تَحْريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ولا تَكْييفٍ ولا تَمْثيلٍ. ومَذهَبُ الإنْسانِ ما قالَه أخيرًا إذا صَرَّحَ بحَصْرِ قَوْلِه فيه، كما هي الحالُ في أبي الحَسَنِ كما يُعلَمُ مِن كَلامِه في الإبانةِ) .
وعلى كلِّ حالٍ سَواءٌ تَبَرَّأَ أبو الحَسَنِ مِن طَريقةِ ابنِ كُلَّابٍ، أو بَقِيَ عليها، وسواءٌ ثَبَتَ اتِّباعُ أبي الحَسَنِ مَذهَبَ السَّلَفِ أو لم يَثبُتْ، فالعُلَماءُ يَحكُمونَ على أيِّ قَوْلٍ بالصِّحَّةِ والفَسادِ بحَسَبِ مُوافِقتِه لأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإذا وافَقَ أبو الحَسَنِ الكِتابَ والسُّنَّةَ في المَسائِلِ الَّتي تَكلَّمَ فيها، واتَّبَعَ فيها السَّلَفَ الصَّالِحَ فقدْ أصابَ، وإذا خالَفَ الأدِلَّةَ فقدْ أَخطَأَ، وكلُّ أحَدٍ يُؤخَذُ مِن قَوْلِه ويُرَدُّ إلَّا نَبيَّنا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ومِن المُؤسِفِ أنَّ مُعظَمَ الأشاعِرةِ المُتَأخِّرينَ يُخالِفونَ أبا الحَسَنِ الأشْعَريَّ فيما أَثبَتَه مِن الصِّفاتِ الإلَهيَّةِ في كِتابِ (الإبانة)، وهو كِتابٌ ثابِتٌ عنه بلا شَكٍّ عنْدَ أهْلِ العِلمِ المُنْصِفينَ ، وإن حاوَلَ بعضُ الأشاعِرةِ المُتَأخِّرينَ التَّشْكيكَ في ثُبوتِه أو ادِّعاءَ دُخولِ الزِّيادةِ فيه بلا بُرْهانٍ .
ولأبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ أيضا كِتابُ (مَقالات الإسْلاميِّينَ واخْتِلاف المُصَلِّينَ) و(رسالة إلى أهْلِ الثَّغْرِ ببابِ الأبْوابِ) ، فيهما ما يُوافِقُ كِتابَ (الإبانة) مِن إثْباتِ الصِّفاتِ .
وقدِ ادَّعى بعضُ الأشاعِرةِ المُتَأخِّرينَ أنَّ ما في كُتُبِ أبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ مِن إثْباتِ الصِّفاتِ هو مِن بابِ التَّفْويضِ لمَعانيها، وزَعَموا أنَّ تَفْويضَ مَعاني الصِّفاتِ هو مَذهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وأنَّ أبا الحَسَنِ مُوافِقٌ للسَّلَفِ في تَفْويضِ مَعاني الصِّفاتِ ، وهذه دَعْوى لا تَصِحُّ؛ فلا يوجَدُ نَصٌّ صَريحٌ لأبي الحَسَنِ الأشْعَريِّ بِذلك، وظاهِرُ كَلامِه في كِتابِه الإبانةِ إثْباتُ الصِّفاتِ على مَنهَجِ السَّلَفِ مِن غَيْرِ تَفْويضٍ للمَعاني، خاصَّةً أنَّه صَرَّحَ بأنَّه رَجَعَ لمَذهَبِ الإمامِ أَحْمَدَ، وأَحْمَدُ ليس مُفَوِّضًا، وعلى التَّسْليمِ للأشاعرةِ بِذلك فإنَّ أبا الحَسَنِ في كِتابِه الإبانةِ تَرَكَ تَأويلَ صِفاتِ اللهِ سُبْحانَه، فليت أتْباعَه المُنْتَسِبينَ إليه يَقْتَدونَ به في تَرْكِ تَأويلِ الصِّفاتِ، قالَ الذَّهَبيُّ: (رَأيْتُ لأبي الحَسَنِ أرْبَعةَ تَواليفَ في الأُصولِ، يَذكُرُ فيها قَواعِدَ مَذهَبِ السَّلَفِ في الصِّفاتِ، وقالَ فيها: تُمَرُّ كما جاءَتْ، ثُمَّ قالَ: وبِذلك أَقولُ، وبه أَدينُ، ولا تُؤَوَّلُ)
.
انظر أيضا: الفَصْلُ الأوَّلُ: التَّعْريفُ بالمَذهَبِ الأشْعَريِّ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: أبرَزُ عُلَماءِ فِرقةِ الأشاعرَةِ وكُتُبِها.
الفَصْلُ الرَّابِعُ: تَفاوُتُ تَأثُّرِ أعْلامِ الأشاعِرةِ بالجَهْميَّةِ.
الفصلُ الخامسُ: علاقةُ الأشاعِرةِ بالتَّصوُّفِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق